كانت الدنيا قبل بعثة سيدنا محمد ﷺ غارقة في ظلمات الشرك والوثنية، وانتشرت عبادة الأصنام في كثير من أنحاء العالم، حتى وصلت إلى مكة المكرمة، عند الكعبة المشرفة التي بناها سيدنا إبراهيم وابنه سيدنا إسماعيل عليهما السلام بعد أن هداهما الله سبحانه وتعالى إلى موضع هذا البيت المبارك، ليكون منارة للتوحيد ومهوى لأفئدة المؤمنين.
وظلت مكة المكرمة مهيأة لاستقبال خاتم الأنبياء والمرسلين، تنتظر نبي التوحيد سيدنا محمدا ﷺ، وتترقب النور الذي سيشرق منها على البشرية كلها. حتى جاء عام ٥٧٠م تقريبا، فولد المصطفى ﷺ، وكانت الكتب السماوية السابقة قد بشرت بقدومه، كما كان كثير من أهل الكتاب يعرفون أوصافه وعلامات زمانه.
ولما بلغ النبي ﷺ أشده، حبب الله إليه الخلوة والتفكر. فكان يعتكف في غار حراء بجبل النور، خاصة في شهر رمضان من كل عام، متعبدا لله تعالى على ملة إبراهيم عليه السلام، متأملا في ملكوت السماوات والأرض، بعيدا عن مظاهر الشرك والضلال التي كانت تحيط بقومه.
وفي رمضان، وفي الليلة المباركة، ليلة القدر التي قال الله تعالى في شأنها:
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾
هبط أمين الوحي جبريل عليه السلام على رسول الله ﷺ، يحمل إليه أول آيات القرآن الكريم، فكانت الكلمات الأولى التي أضاءت طريق البشرية:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾
هكذا كانت البداية المباركة؛ في الشهر المبارك، شهر رمضان، وفي الليلة المباركة، ليلة القدر، وفي البلد المبارك، مكة المكرمة، وعلى قلب المصطفى ﷺ الذي اصطفاه الله لحمل أعظم رسالة عرفتها الإنسانية: رسالة الإسلام والإيمان والقرآن.
فكان ﷺ صفوة الخلق، وخيارا من خيار من خيار، اصطفاه الله تعالى رحمة للعالمين، وهداية للبشر أجمعين.